حبيب الله الهاشمي الخوئي
14
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أن تمسي له متنكَّرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولي أمرّ منها جانب فأوبى ، لا ينال امرء من غضارتها رغبا إلَّا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولا يمسي منها في جناح أمن إلَّا أصبح على قوادم خوف ، غرّارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ، لا خير في شيء من أذوادها إلَّا التّقوى ، من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ، وزال عمّا قليل عنه ، كم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة قد صرعته ، وذي أبّهة قد جعلته حقيرا ، وذي نخوة قدردّته ذليلا ، سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذائها سمام ، وأسبابها رمام ، حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب ، وجارها محروب ، ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا ، تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد ، وآثروها أيّ إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلَّغ ، ولا ظهر قاطع ، فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة ، بل أرهقتهم بالفوادح ، وأوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنّوائب ،